6 كفى طمسًا للغتنا!

موقف استوقفني..!






أذكر قبل عدّة أيّام فقط كنتُ ذاهبة عند زميلتي لندرس للامتحان
وأنا في طريقي إلى هُناك، مررت على رجلين يتحدّثان ويتحاوران، ولكن كل ما استطاعت اذناي التقاطه من حديثهما
هي فقط كلمات عبرية، حتّى أنّي ظننتُ أنّهما يهوديان، ولكن ما فاجأني أنّ احدهما تكلّم بالعربية!!
نعم، حتى عرفتها حينها أنهما عربيّان!!
فقلتُ: سبحان الله، ما هي المتعة التي وجداها في حديثهما الذي شابته تلك الكلمات الدخيلة، والتي شوّهت جمال لغتنا العربيّة؟!
ما الذي دفعهما إلى استعمال أكبر عدد من الكلمات العبرية في حديثهما؟! أهي قلّة الكلمات في اللغة العربيّة (وهذا ما كان ولن يكون)، لضعفها؟ لوهنها؟، أم أنه ما من كلمات يستخدمها ليعبّر عما في داخله؟ أم ماذا؟!
ألا يعلمان أنّهما يتنكران لأصلهما؟ للغتهما؟!
منذ مروري بهما وحتّى وصولي سكن زميلتي وأناا أفكّر بذاك الموقف، بهما، بسذاجتهما!




كفى طمسًا للغتنا 
لو كانت اللغة العربية ضعيفة، لما كان أحد وجوه إعجاز القرآن -وهو أعظمها- هو الإعجاز البياني،ولما كان الحرف، والكلمة، والجملة في القرآن الكريم معجزة ربّانيّة !
إنّ من خلال دراستي لمساق (الإعجاز البياني في القرآن الكريم) في هذا الفصل، وجدتُ أنّ لكل حرفٍ في القرآن الكريم هنالك معنىً مستقلّ وخاصّ به،وإن للكلمة كذلك معنىً خاصّ بها.
تعلّمتُ أنّه ما من ترادف بين الكلمات،وما من تناوب بين الأحرف، وهذا إن دلّ فإنّما يدل على غنى اللغة العربية بالكلمات والتي يمكن استخدامها، وإن تشابهت في المعنى فلكلٍّ منها معنىً قد يزيد أو ينقص عن أختها!


فممّا تعلّمناه في هذا المساق: كلمتا الخوف والخشية:
لا يكاد كثير من الناس يفرق بينهما مع أن بينهما اكثر من فرق، منها الخشية أعلى من الخوف وأشد منه.
ولذا خصت الخشية بالله في كثير من الآيات {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد:21]
وفرق بينهما أيضًا: بأنّ الخشية تكون من عِظَم المخشي، وإن كان الخاشي قويًّا، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا.[1]


في العصر العباسي كان للكلمة منزلتها كذلك، ومما يروى في ذلك: أنّ رجلًا أنشد ابن هرمة بيته:
بالله ربك إن دخلت فقل لها ** هذا ابن هرمة قائمًا بالباب
فقال الرجل: ما كذا قلت: أكنت أتصدق (أسأل) قال: فماذا؟ قال ابن هرمة: واقفًا ثم قال: ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى (2)
فإنّ كلمة واقفًا تفيد الانتظار، أمّا كلمة قائمًا فإنما تفيد الانتظار مع السؤال!
وكذلك كلمتا: الإلقاء والقذف:
في قوله تعالى:" سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب" [الأنفال:12]، وقال :" وقذف في قلوبهم الرعب" [الحشر:2]
وإن من كان له أدنى اطلاع ومعرفة في قضايا اللغة يدرك أن كلمة (القذف) تعطي من الدلالة، وتلقي من الظلال ما لا يوجد في كلمة (إلقاء).
فكلمة (القذف) إنما تستعمل لما في الشدة والقوة والضخامة.
وحينما نقف أمام النصين الكريمين نتساءل متدبرين، لم جاءت كل كلمة في هذا المكان دون غيره؟! والسياق كفيل بالإجابة على هذا التساؤل:
فقد جاءت الإلقاء في سورة الأنفال التي تحدثت عن غزوة بدر، والتي كانت بين المسلمين وبين قريش، وكان المشركون من أهل مكة يقفون ويتجمعون في ذلك الموضع، لا يجدون ما يتحصنون به إلا تروسهم وأسلحتهم، لكن كلمة (القذف) جاءت في سورة الحشر، غزوة بني النضير، وهم الذين - كما حدثنا القرآن عنهم- كانت لهم حصونهم المنيعة الحصينة، والقرآن الكريم يحدثنا عن ذلك، وهو يمتن على المؤمنين (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) [الحشر:2]
فكانت كلمة الإلقاء إذن في مكانها المناسب، وجاءت كلمة القذف حيث لا يصلح أن تستعمل كلمة الإلقاء.. وهكذا تتجلى لنا الكلمة القرآنية بهاء ورواء.[3]


ولو جئنا للحرف في القرآن الكريم لرأيناه جبّارًا، وله أهمّيّة كبرىن وميزة رائعة ،وذلك إنما يكون لكلّ حرف، منها:
 على وإلى:
في سورة البقرة يقول تعالى:" قولوا آمنا بالله وما أنزِلَ إلينا" [البقرة:136] وفي آل عمران :" قل آمنا بالله وما أنزِلَ علينا" [آل عمران: 84]. فنحن نرى أنه عبّر بــ (إلى) حينما كان الخطاب للأمة لأن القرآن إنما أنزِلَ إليهم، وتجيء )على) حينما كان الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم لأن القرآن إنما أنزِل عليه وحده.(4)
ومنها ذكر الواو في موضعٍ وحذفها بآخر:
قال تعالى:" فأنشأنا لكم جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه ومنها تأكلون" [المؤمنون:19]، وقال تعالى:" وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون* لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون" [الزخرف: 72-73]
فذُكرت الواو في الآية الأولى وذلك لأن الحديث كان عن نعم الله على الناس في هذه الحياة، وسبب ذلك قد يطلعنا عليه أدنى تامل وتدبر في هاتين الآيتين الكريمتين، فإن جنات أهل الدنيا ليست كلها معدة للأكل، فهناك أغراض كثيرة، لعل في مدقمتها التجارة، ومنها التصدق والإهداء.
اما فاكهة أهل الجنة فليست كذلك فإن الهدف الرئيسي والغرض الأساسي منها هو الأكل وحده.(5)
إنّ الواو تفيد التغاير والاختلاف، لذلك جاء ذكرها في الآية الأولى، ولم يذكره جل ثناؤه في الآية الثانية، وذلك لما ذكرنا أعلاه.


وهذا أقل ما يذكر مما هو في القرآن الكريم، فإن كانت اللغة العربية هي وجه من وجوه الإعجاز الرباني الذي ألقاه الله عز وجل في القرآن الكريم، ألا يكون فخرًا لنا أن نتحدّث بها؟ ألا يكون فخرًا لنا بأنّا أهلها؟!


بالله عليكم، إذا أردتم أن تعرفوا قيمة لغتكم حقًّا، فاذهبوا إلى القرآن، واتلوا ما شئتم،أولًا نلتم أجرًا، وبعدها عرفتم قيمة اللغة العربية، التي أنتم لها متنكرون!
**بالنسبة لي لا أرى مسوّغًا لاستعمال هذه الكلمات الدخيلة على  لغتنا، فهي هدّامة لها لا محسّنة!
لا تزيدها جمالًا ولا بهاءًا، فلغتنا أصيلة ذات جمال أصيل، راقي وأصحابها كذلك!


كل ما أقوله في النّهاية كما قال الشيخ رائد صلاح في المقال الذي نشرته هُنا:


"لغتنا في خطر .... نعم........ ولكن ليست هي المتهمة بل نحن المتهمون."


أضيف، وأعيد، وأكرّر، نعم لغتنا العربية في خطر، ليتنا ندرك ذلك، لنتدارك أنفسنا
 ونجتثّ هذا الخطر، ونقصيه قبل أن يتفشّى أكثر فأكثر...!!
______________________________________


[1]  فضل حسن عبّاس، إعجاز القرآن الكريم، ص165.
[2]الدكتور شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ ص 26..
[3] فضل حسن عباس، إعجاز القرآن الكريم، ص 177-178.
[4] المصدر السابق، ص174.
[5] المصدر السابق، ص 193

6 بصمات ذهبية..~:

المنشد أبو مجاهد الرنتيسي يقول...

بسم الله وبعد
نعم لتعلم اللغات وإتقانها لأن نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قال : (من عرف لغة عدوه أمن من شرهم)
ولكن ليس على حساب لغتنا الام
بوركت أختنا في الله على ما طرحت

إخوانك في الله
أبو مجاهد الرنتيسي
أحلام الرنتيسي

غير معرف يقول...

السلام عليكم

حقاً مسكينة هي لغتنا حتى الطفل الصغير يتكلم باللغات الدخيلة كلها إلا لغته أصبح يستخدمها فقط في الصلاة أو في إمتحان العربي !

بارك الله فيك على هذا الطرح الرائع
:)

آيات اغبارية

امنه محاميد يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يعلمون هم كيف يشوهون لغتنا هؤلاء الجاهلين فمهما عملوا وفعلوا لغتنا تبقى اصيله وعريقه عبر كل التاريخ العربي والاسلامي العريق..

تدوينه رائعه .. فلغتنا علينا ان نجعل الاهتمام الاكبر بها..

اتمنى لك المزيد من النجاح والتقدم في مجال التدوين..

دعاء غنايم يقول...

السلام عليكم
بارك الله فيك أخ ابو مجاهد على مروركم
حيّاكم الله
كونوا بخير
...

دعاء غنايم يقول...

السلام عليكم
بوركت آيات على مرورك
عزيزتي، وصل الأمر بهم إلى استخدام الكلامت العبرية حتى في امتحانات اللغة العربية!!

دعاء غنايم يقول...

السلام عليكِ يا آمنة
مروركِ أسعدني، لم نرك منذ زمن
حيّاك الله
..
نعم عزيزتي، معك حق فهم لا يعرفون عاقبة ما يفعلون من تشويه للغة!
..
كوني بخير

أضف تعليق

همساتكم تفرحني

تصميم وتطوير - مدونة الاحرار - 2011.